خليل الصفدي

298

أعيان العصر وأعوان النصر

النائب ، وكان يحكي عنه الغرائب والعجائب ، إلا أنه نزل به الوقت ، وآل أمره بعد المحبة إلى المقت ، وبطل من المباشرة ، وتخلّى عن الاختلاط بالناس والمعاشرة ، وعبس الدهر في وجهه بعد المكاشرة ، وانكمش عن الصحبة بعد ما كان عنده فيها شره ، وجلس مع الشهود في الساعات ، وخلع وقاره على الخلاعات ، إلى أن أصبح الشرف في الحضيض ، وغمض الموت طرفه ، وكان غير غضيض . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في سنة خمس وخمسين وسبعمائة ، عن نيف وثمانين سنة . وتولى نظر غزة والساحل ونابلس في وقت ، وحضر من غزة إلى نابلس ؛ ليكشف أمرها ، فحصّل له مباشروها خمسة آلاف درهم على عادة الكتّاب ، فلما طلعوا وتلقّوه ، انفرد بالناظر خلوة ، وقال : يا مولانا ، عندكم فرد كناب من هذا النابلسي ، وقليل صابون وزيت ، فقال له : نعم ، فقال : دبّره لنا ، وجهزه إلى غزة ، وكان جميع ما طلبه ما يقارب الثلاثمائة ، وراحت تلك الخمسة آلاف ، وتوفرت على المباشرين ، وكذا كان يفعل في نظر الزكاة ، يطلع إلى القابون ، ويتلقى القفول ، فيحصّل له كبار القفول التفاصيل الحرير والتحف والذهب والدراهم ، فيقول لهم : الوقت مضرور إلى منيشفات بغدادية ، فيعرف التجار أن ذلك رضاه ، فيوفرون ما حصلوه لأنفسهم ، ويعطونه ذلك القدر النزر . وكنت قد كتبت له توقيعا بنظر غزة والساحل ونابلس في الثالث عشر من صفر سنة تسع وثلاثين وسبعمائة ، وهو : رسم بالأمر العالي لا زالت شموس سعوده تحلّ بالشرف ، وعروس وعوده تثمر بالتّحف ، لمن ارتدى بظلها والتحف ، أن يرتب المجلس السامي القضائي الشرفي في كذا وكذا ، ثقة بكفايته التي شهرت ، ونامت عيون من دونه عنها وسهرت ، وملأت القلوب إعجابا بها وبهرت ؛ لأنه الرئيس الذي كتب الجياد عن بلوغ مداه ، وكبت الحسّاد بما حازه من الفضل ، الذي تقمص برده وارتداه ، والماجد الذي جاذب في السيادة لما امتطاها أعنة وأرسانا ، والماهر الذي يملأ المعاملات حسنا وإحسانا ، والكاتب الذي طالما جادل فجدل من العمال أبطالا وفرسانا ، والناظر الذي أصبح لناظر الزمان على الحقيقة إنسانا ، فليباشر ما فوّض إليه مباشرة يظهر بها عزه في وجه غرة غزة ، ويغرق بحره الساحل بالعين والغلة ، حتى يكون كل ذرة في لجه درّة ، ويفيض على نواحي برّه برّة ، وليضبط ما تحصل منها بأقلام الفكر في دفاتر الجنان ، ويضع على متحصلاتها ختم مراعاته حتى لا يصل إليها ولا الجان ، وكيف وعليها خاتم سليمان ! على أن هذه النواحي عش دب منه ودرج ، وعرين دخل غابه فغاب وخرج ، وأفق طالما ترقى في مطالعه وعرج ، وبر وبحر خلط علمه معرفتيهما ومرج ، وبلاد تحقق مقاصد أهلها فما يبدون ولا يعيدون ، ومباشرات لما دبرها قصرت عن أوصاف ابن عمرون ، فيها بلاغة ابن